الإمام يحيى بن الحسين

65

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

فمتى كثرت جماعتهم تقووا بهم على باطلهم ، واستضعفوا المستضعفين من خلق اللّه ، وأمهل لهم ربهم وتركهم ، ولم يحل بينهم وبين من يظلمونهم ؛ إذ كلّ ظالم ، القوي والمستضعف ، وذلك قوله عز وجل : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ الأنعام : 129 ] ، وقال : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] ، يقول : خليناهم عليهم ، كما قال : بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [ الإسراء : 50 ] ، وكما قال النبي صلى اللّه عليه وآله : « لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ، أو ليسلطن اللّه عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله كان اللّه المنتصر لنفسه ، فيقول : ما منعكم إذ رأيتموني أعصى أن لا تغضبوا فيّ . » . فمن هذه الجهة ترك الظالمين ولم يأخذهم ؛ لأن الرعية في ظلمهم وتظالمهم فيما بينهم أصناف : فقوم يقولون على اللّه بالجبر والتشبيه ، وينفون عنه العدل والتوحيد ، وينسبون إليه عز وجل أفعال العباد ، ويقولون : إن هذا الذي نزل بهم بقضاء وقدر ، ولولا أن اللّه قضى عليهم بهذا الظلم الذي نزل بهم من هؤلاء الظالمين ما إذا قدر الظالم أن يظلمهم ، غير أن هذا الظلم مقدر عليهم عند اللّه على يدي هذا الظالم . فإذا كانت معرفتهم هذه المعرفة ، وكان معبودهم الذي يزعمون أنهم يعبدونه هذا فعله بهم ؛ فمتى يصل هؤلاء إلى معرفة الخالق ، ومتى يدعونه ويستعينون به على ظالمهم ؟ إنما هم يدعون هذا الذي يزعمون أنه قضى عليهم بهذا الظلم وقدره ، ولهذا يصلّون ، وله يصومون ويحجون ، وبه في جميع ما ينزل بهم من الظلم والجور والمصائب في المال والولد والبدن يستغيثون به على دفع هذه المضار والبلوى التي نزلت بهم . فهم يعبدون صورة مصورة ، وعلى هذا النحو أسلمهم ربهم ، وتركهم من التوفيق والتسديد ، وخذلهم ولم ينصرهم على ظالمهم ، وكيف ينصرهم على ظالمهم وهو المقدر لهذا الظالم عليهم الذي نزل بهم ؟ فهو الذي يدعونه بزعمهم . أما إنهم لو أنصفوا عقولهم ، وعرفوا اللّه عز وجل حق معرفته ، ونفوا عنه ظلم عباده ، كما نفاه عز وجل عن نفسه ، ثم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ودعوا ربهم حينئذ على ظالمهم ؛ إذا لاستجاب لهم دعوتهم ، وكشف ما بهم من الظلم والجور ، وذلك قوله عز